فلسطين ما بين الربيع العربي والصيف الاسرائيلي/عبير زياد

 

الربيع العربي كان فرحة بدئت تظهر بين الشعب الفلسطيني مع ثورة تونس لتصبح الفرحة شك . فالشعب الفلسطيني يعتبر ان أي ثورة عربية لا تشير بوصلتها الى القضية الفلسطينية  ثورة مشبوهة . ولم تنتهي الثورات العربية حتى ظهر في المدن المحتلة عام 48 حراك شباب اسرائيلي سمي الصيف الاسرائيلي ينادي بالعدالة المجتمعية وحل اشكاليات الشباب والقضايا الاقتصادية الاخرى والقضاء على التميز بين الاثنيات اليهودية المختلفة التي تكون المجتمع الاسرائيلي  . لتظهر التساؤلات داخل المجتمع الفلسطيني بين مؤيد ومعارض اين هي القضية الفلسطينية في الثورات العربية المختلفة ؟ ما هو الثمن الذي سندفعه مقابل هذا الصيف الاسرائيلي  ؟ كيف ينظر الشباب الفلسطيني الى هذا الحراك الشبابي العالمي؟ وهل نحن بانتظار ربيع فلسطيني ؟!

ان الاجابة على هذه التساؤلات ليست بالسهولة فالمجتمع الفلسطيني داخل حدود فلسطين التاريخية تختلف نظرته الى الامور بسبب التقسيمات السياسية القائمة والتي تجعل لكل مجموعه وعيها الخاص الذي يتشارك في نظرته لبعض القضايا ويختلف بأخرى وذلك يعود الى اختلاف مشاكله وهمومه وظروفه الحياتية وقربه من هذا البلد او ذاك . فنظرت فلسطينيين 48 على سبيل المثال من الحراك الاسرائيلي تختلف تماما عن نظرت ابن غزه لها ، مما يصعب وضع تصور واضح لنظرة الشباب الفلسطيني للحراك الشبابي ويضاف الى ذلك التوجهات السياسية المختلفة الموجوده في فلسطين والتي تؤثر على نظرتنا وتقيمنا لهذا الحراك الشبابي.

وهنا احاول استقراء رأي الشباب الفلسطيني الذي انا جزء منه .ان نظرت الشباب الفلسطيني الى جميع ثورات في الوطن العربي رغم اختلاف مشاربهم الا انهم يتفقون على قاعدة ان الثورة التي لا تشير بوصلتها الى فلسطين فهي ثورة مشبوهة ولا نعني طبعا ان تتخلى الشعوب عن حقوقها وحريتها او التنازل عن اولوياتها الوطنية لاجل القضية الفلسطينية بل نعني ان عجز وضعف الحكومات العربية المختلفة عن مساندة القضية الفلسطينية كان دوما يشير الى ارتهان النظام وخضوعه الى الارادة الغربية التي تساند الحركة الصهيونية منذ نشوئها وحتى لو تجراء احدهم على اظهار العداء قليلا واعتبر نفسه تيارا ممانعا فهذا التيار الذي يدعي الممانعه لم يفعل شيئا حقيقيا لتغير واقع الاحتلال الذي يعيشه الشعب الفلسطيني بينما كانت الشعوب العربية جميعا دون اختلاف تحركها وتثير مشاعرها القضية الفلسطينية فاستنتاجنا البسيط ان أي حكومة لا تساند القضية الفلسطينية والتي هي قضية عادلة وتقوم على الحرية أي المطلب الاساسي الذي قامت الثورات لاجله فهي حكومة لا تمثل ارادة شعوبها بل تمثل الإرادة الغربية لتسهيل مصالح ذاتية لهذا الحزب او ذاك ومنصبا لهذا القائد او ذاك .

وقد يستبشر البعض بوصول الاسلامين للحكم خاصة الاخوان المسلمين (والذين لهم فرعهم في فلسطين حماس رغم الاختلاف النضالي الموجود بينهم ) ومع خطابهم طوال الاعوام السابقة عن القضية الفلسطينية ان موقفهم سوف يكون مساند للقضية الفلسطينية لكن تصريحات بعض ممثليهم بعد وصولهم الى الحكم تقريبا قضت على ذلك الاستبشار فنجد الغنوشي يقول ان الدستور التونسي لا يمنع اقامة علاقات مع اسرائيل ونجد مصر تحافظ على اتفاقيات السلام والغاز وترسل الرسائل المطمئنة الواحدة بعد الاخرى الى الكيان الصهيوني بينما طرابلس يسعون لفتح سفارتهم في تل ابيب وبرهان غليون من سوريا يرسل رسائل مشابه لرسائل الاخوان المسلمين لطمئنة الكيان الصهيوني . اذا الرسالة التي تصل الى الغرب والى اسرائيل ان ثورات الشعوب العربية لن يكون لها اثر على اسرائيل فلم يعد الشباب الفلسطيني يؤمن بجدوى هذه الثورات ان كانت ستنزل طاغيه عميل لترفع طاغية وعميل اخر لكن بقناع جديد. فليس هناك ما يبرر او يوضح ما هي مصالح الدول العربية وشعوبها التي ثارت من اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل دون حل القضية الفلسطينية وكأن خروجهم من الظلم والانتقال الى ديمقراطية او انتقال احزاب معينة للسلطة مرتهن بعلاقاتها مع الكيان الصهيوني .

هذا الاتفاق التقريبي بين الشباب الفلسطيني اتجاه الثورات العربية لا يتوافق ونظرتهم الى الصيف الاسرائيلي فهنا الامر يمس جوهر حياة الجزء الاكبر من الفلسطينيين حيث ان تأثيره يكاد يكون غير موجود بالنسبة لغزة بينما تتاثر فيه الضفة لكن  ذروته في القدس واراضي الداخل المحتل . فالعدالة الاجتماعية وتحسين الوضع الاقتصادي والطبي المتدني وازمة السكن بالاضافة الى وجود طبقات متنفذه اغلبها من اليهود الغربين في اسرائيل هي اهم اسباب هذا الصيف الاسرائيلي . لكن أي قاريء للوضع للمناطق الداخل والقدس فلا يخفى عليه  ان اغلب الفقراء حسب الاحصائيات الاسرائيلية هم العرب وان 80 % من سكان القدس العرب يعانون من الفقر. اذا تحسين هذه الامور ايضا متطلب لهم لكنهم كاهل الضفة الغربية لا يرغبون ان تحل القضية الحراك الشبابي الاسرائيلي خاصة المتعلقة بجانب السكن على حساب اراضينا ومنازلنا ان كانت بالداخل او في القدس او الضفة الغربية وهو الامر الذي منع شباب الداخل من المشاركة بهذا الحراك الاجتماعي اما الشباب المقدسي والذي يعاني نفس الاشكاليات ويخضع للقوانين الاسرائيلية لن يشارك باي حراك مجتمعي داخل  اسرائيل ببساطه لانه لا يعتبر نفسه جزء من اسرائيل بل هم فلسطينيين يسكنون  ارضهم المحتلة ويعيشون تحت رحمة قوانين الاحتلال المفروضة عليهم. وقد اعتاد المجتمع الفلسطيني خاصة القدس وداخل ان أي اشكاليات داخلية مجتمعية بإسرائيل خاصة اذا كانت تتعلق بالقضايا العنصرية الاثنينه فان الحل الاول الذي تلجاء اليه الحكومة الاسرائيلية هو ان تجعل الفلسطينيون يدفعون ثمن توحيد الصفوف الاسرائيلية بطرق مختلفة .   ويؤمن معظم الشباب الفلسطيني ان اغلب الحركات الاسرائيلية التي تدعو الى العدالة والحرية وحقوق الانسان تتوقف عندما يكون المعني بالموضوع هم الفلسطينيون وكأننا لسنا من البشر ! اذا فالحراك الاسرائيلي لا يعني تقريبا اهل غزة بينما يخشاه اهل الضفة لانه يزيد من بشاعة غول الاستيطان الذي يأكل ارضنا ويخشاه اهل القدس والداخل رغم تمنيهم نجاحه ( لانهم قد يحصلون على بعض المكاسب خاصة بالموضوع الصحي )لانهم سوف يكونون المحرقة التي تدفع الثمن كالعادة في سبيل رفاهية الإسرائيليين .

وفي ظل هذه الظروف المحيطة بالفلسطينيين وتأثرهم المباشر او غير المباشر بالربيع العربي او الصيف الاسرائيلي يبقى السؤال ، هل هناك ربيع فلسطيني ؟ وهذا الربيع ضد من سيثور ؟ بالتأكيد اننا اكثر الشعوب اتقننا للثورات واكثر الشعوب رغم اننا تحت الاحتلال حرية في ابداء الرأي لكن منذ الانقسام وسياسة تكميم الافواه اخذت بالازدياد لكن لازال الشعب الفلسطيني وخاصة الشباب لا يخشى ان يقول رأيه بصراحة وقد كان هناك حراك شبابي جيد ضد الانقسام لكن هذا الحراك تقريبا تلاشى وقد يعزو البعض ذلك الى فقد الامل وتأثر الشباب بآرائهم السياسية المختلفة والبعض يقول ان التوجه الجدي للقيادات الفلسطينية نحو وئد الانقسام وهو الذي خفف حدة هذا الحراك . لكن رغم ان هذه العناصر ان كانت الياس او الثقة بقيادتنا من الجانبين الا ان هناك امور اخرى اعتقد انها اثرت بشكل اكبر. فالشباب امامه مسؤوليات اكبر وامامه حراك شبابي اعظم يزداد يوما بعد يوم ونجد له قوة ونجاح في المقاومة السليمة ضد الاستيطان وحماية القرى والاراضي الفلسطينية من السلب والتهويد خاصة مع هذه الهجمة الشرسة على مدينة القدس لتهويدها ومهاجمة مقدستنا واطفالنا فكل ما بحياتنا اصبح مهدد اذا حراكنا الشعبي وثورتنا السلمية وربيعا له اولويات فنعم نريد تغير قادتنا لكن تغيرنا لهم ليس عن طريق الثورة بل سوف يتم تدريجيا مع ضغطنا جميعا ضد الفساد والمفسدين وطردهم واختيار قيادات شبابيه جديدة متعلمة ذات يد نظيفة . لكن ربيعا الحقيقي هو ضد الاحتلال وطرده من ارضنا وأقامه دولتنا الفلسطينية المستقلة وخروج اسرى الحرية وعودة اللاجئين تلك هي اولوياتنا وذلك هو ربيعا القادم
بقلم عبير زياد
باحثة بشؤون القدس

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.